من يشتري الأحلام

دخلتُ أحد المعارض العقارية، فوجدت نفسي أمام عالم يكاد لا يشبه العالم الذي نعيش فيه.

مجسمات ضخمة لمشاريع تمتد إلى عنان الخيال، أبراج بواجهات زجاجية لامعة، حدائق خضراء، مسابح، شوارع واسعة، ومبانٍ صُممت وكأنها خرجت للتو من فيلم عن مدن المستقبل. وعلى الشاشات الكبيرة تتحرك الصور بانسيابية: سيارات فارهة، عائلات سعيدة، أطفال يركضون في مساحات خضراء، ومساكن تبدو وكأنها تقول لك: هكذا ستكون حياتك عندما تشتري.

وقفتُ أتأمل تلك المشاريع، لا باعتباري مشتريًا، وإنما باعتباري مواطنًا يعرف شيئًا عن الضفة الأخرى من الصورة.

قلت في نفسي: من يشتري الأحلام؟

السؤال ليس عن الشقة وحدها، ولا عن البرج، ولا عن المتر المربع وسعره. السؤال عن ذلك الإنسان الذي يقف أمام هذه المجسمات، ويرى حياةً يتمنى أن يعيشها، ثم يعود إلى واقعه الاقتصادي ليتذكر أن المسافة بين الاثنين قد تكون أكبر بكثير من المسافة بين موقع المعرض وموقع المشروع.

في المعرض، كل شيء يبدو ممكنًا.

أما خارج المعرض، فهناك راتب يحاول أن يصمد حتى نهاية الشهر، وأسعار ترتفع، والتزامات تتكاثر، وأسر تعيد حساباتها قبل أن تشتري أبسط احتياجاتها. هناك إنسان يريد بيتًا لائقًا، لكنه لا يريد أن يتحول هذا البيت إلى دين يطارده لسنوات طويلة.

وهنا تكمن المفارقة.

الشركات العقارية تعرض لنا المستقبل كما نتمنى أن يكون، بينما الاقتصاد يفرض على كثيرين حاضرًا لا يشبه أحلامهم.

لا أحد يستطيع أن يلوم الناس على إعجابهم بتلك المشاريع. ومن حق الإنسان أن يحلم ببيت جميل، ومدينة حديثة، وحي تتوفر فيه الخدمات والمساحات الخضراء والأمان والراحة. بل إن هذه الأحلام في جوهرها ليست ترفًا؛ إنها صورة طبيعية للحياة التي يريدها الإنسان لنفسه ولأسرته.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لمن تُبنى هذه المدن؟ ومن يستطيع أن يسكنها؟

فحين يصبح الإعلان العقاري أكثر إغراءً من القدرة الشرائية للناس، تتحول المسألة من مجرد تسويق لمشروع إلى مواجهة بين صورتين: صورة المستقبل التي تعرضها الشاشات، وصورة الواقع التي يحملها المواطن في جيبه.

أنا لا أقول إن تلك المشاريع وهم، فقد تتحول المجسمات إلى أبنية حقيقية، وقد تصبح الصور شوارع وبيوتًا ومدنًا قائمة بالفعل. لكنني أتساءل عن الحلم الذي يُباع قبل أن يُسأل عن قدرة الناس على شرائه.

فالعقار ليس سلعة عابرة يشتريها الإنسان ثم ينساها. إنه غالبًا أكبر قرار مالي في حياة الأسرة. وحين يكون الاقتصاد منهكًا، تصبح القدرة على امتلاك المسكن جزءًا من السؤال الأكبر عن العدالة الاجتماعية ومستقبل الطبقة المتوسطة.

ربما لهذا السبب شدني المشهد في المعرض أكثر مما شدني بريق الأبراج.

كنت أنظر إلى المجسمات، وأفكر في أولئك الذين لن يستطيعوا إلا النظر إليها.

من يشتري الأحلام؟

هل هو المستثمر الذي يرى في المشروع فرصة؟

أم المواطن الذي يرى في الشقة بداية حياة جديدة؟

أم ذلك الشاب الذي يقف أمام شاشة عملاقة، يشاهد المدينة التي يتمنى أن يسكنها، ثم يعود إلى حساباته ليكتشف أن حلمه يحتاج إلى عمر كامل؟

المشكلة ليست في أن نبني مدنًا جميلة، بل ربما العكس تمامًا: نحن بحاجة إلى مدن أجمل وأكثر تطورًا. لكن الجمال الحقيقي لأي مدينة لا يقاس فقط بارتفاع أبراجها، ولا بعدد المسابح في مجمعاتها، ولا بفخامة مداخلها.

المدينة الجميلة هي التي يستطيع أهلها أن يعيشوا فيها.

والنهضة العمرانية الحقيقية ليست أن ننجح في بناء ما نراه في المجسمات، وإنما أن ننجح في جعل الإنسان العادي قادرًا على أن يجد لنفسه مكانًا كريمًا داخل هذه الصورة.

في ذلك المعرض، كانت الشركات تبيع المستقبل.

وفي الخارج، كان الناس يحاولون فقط أن يتحملوا الحاضر.

وبين الاثنين بقي السؤال معلقًا فوق كل تلك الأبراج اللامعة:

من يشتري الأحلام... عندما يصبح ثمن الحلم أكبر من قدرة الإنسان على دفعه؟