المهندس صفوان قاسم: فائض الإنتاج يرهق المزارع.. وفتح أسواق التصدير هو الحل ..
يُعدّ سوق الهال في دمشق أحد أهم الرئات الاقتصادية للعاصمة، والشريان الرئيسي الذي تمر عبره حركة توزيع الخضار والفواكه من المنتج إلى المستهلك، بما يجعله مرآة حقيقية لواقع القطاع الزراعي وتقلبات أسعاره وتحدياته.
ومن قلب هذا السوق، يبرز حديث المهندس صفوان قاسم، أحد تجار سوق الهال والمستوردين لبذار البطاطا، الذي يعمل في هذا المجال منذ عام 2009، مستورداً أصنافاً أوروبية أثبتت نتائج جيدة في السوق السورية، وحققت إنتاجية مرتفعة انعكست على وفرة محصول البطاطا واستقرار أسعاره نسبياً.
ويؤكد قاسم أن سوق الهال يمثل الحلقة الأساسية التي تربط المزارع بالمستهلك، حيث تتجمع فيه مختلف أصناف الخضار والفواكه، من البطاطا والكوسا والفاصولياء إلى البندورة وسواها، مشيراً إلى أن البطاطا كانت هذا العام من أفضل الزراعات بالنسبة للمزارع، نتيجة ارتفاع إنتاجيتها مقارنة بمحاصيل أخرى شهدت أسعارها تراجعاً كبيراً.
لكن وفرة الإنتاج، وفق قاسم، تتحول أحياناً من نعمة إلى عبء عندما لا تترافق مع أسواق تصديرية قادرة على استيعاب الفائض.
فتراجع أسعار البندورة والخيار وعدد من أصناف الخضار قد يدفع شريحة من المزارعين إلى العزوف عن زراعتها في المواسم المقبلة، وهو ما يهدد بتراجع المساحات المزروعة مستقبلاً واختلال التوازن بين العرض والطلب.
ويرى قاسم أن الحل لا يكمن فقط في معالجة الأسعار داخل السوق المحلية، بل في فتح أسواق خارجية أمام المنتج الزراعي السوري، معتبراً أن ضعف التصدير يمثل أحد أبرز أسباب انخفاض الأسعار.
ويشير إلى أن دولًا مجاورة تستورد احتياجاتها الزراعية من أسواق بعيدة، في الوقت الذي يمتلك فيه المنتج السوري القدرة على المنافسة والوصول إلى تلك الأسواق.
وفي هذا السياق، يدعو إلى تفعيل الاتفاقيات الزراعية مع الدول المجاورة، ولا سيما تركيا والعراق، واعتماد مبدأ التبادل الزراعي المرن، بحيث تستورد سوريا ما تحتاج إليه في فترات النقص، وتفتح باب التصدير عندما تحقق فائضًا في الإنتاج. فمثل هذه الآلية، بحسب رأيه، يمكن أن تحقق توازناً أفضل وتحمي المزارع من الخسائر الناتجة عن فائض المحاصيل.
ولا يتوقف الأمر عند التصدير، إذ يرى القاسم أن الصناعة الغذائية يجب أن تكون شريكاً أساسياً في استيعاب فائض الإنتاج الزراعي، خصوصاً محصول البندورة.
لكنه يشير إلى تحديات تواجه الصناعات التحويلية، في مقدمتها منافسة المنتجات المستوردة، لافتاً إلى أن وصول دبس البندورة من دول مثل الصين وإيران بأسعار أقل من تكلفة إنتاجه محلياً يضعف قدرة المعامل السورية على التوسع وزيادة طاقتها الإنتاجية.
ومن واقع تجربته في مجال بذار البطاطا، يوضح القاسم أن السوق السورية تستقبل أصنافًا متعددة من أوروبا، من بينها أريزونا وبابيلون وساوالد وأكريا، وهي أصناف ذات إنتاجية جيدة، وبعضها مخصص للتصنيع، الأمر الذي ساهم في تحسين جودة الإنتاج وتوفير خيارات أفضل للمستهلك والمزارع.
وفي المقابل، يشير إلى وجود بعض الأصناف التي لا تتمتع بالجودة ذاتها، ويدعو إلى تنظيم استيرادها بما يراعي حاجة السوق والمستهلك، مع التأكيد على أهمية عدم إغراق السوق بمنتجات يمكن إنتاج بدائل جيدة لها محلياً.
أما على صعيد الخدمات في سوق الهال، فيشيد القاسم بأعمال إعادة تأهيل السوق، ولا سيما مشاريع التمديدات الصحية، معتبراً أنها خطوة مهمة وإيجابية، لكنه يأمل في تسريع وتيرة الإنجاز والانتهاء من الأعمال في أقرب وقت.
كما يشدد على أن النظافة مسؤولية مشتركة، لا تقع على عاتق عمال النظافة وحدهم، بل تحتاج إلى تعاون التجار والعاملين داخل السوق.
وفي ختام حديثه، يوجّه القاسم رسالة واضحة إلى الجهات الحكومية، تتمثل بضرورة اعتماد رزنامة زراعية واضحة تنظم دخول المنتجات الزراعية إلى البلاد وتوقيت فتح باب التصدير، بحيث يتم استيراد البطاطا أو غيرها من المحاصيل عندما تكون البلاد بحاجة إليها، بينما يُفتح باب التصدير عندما يتحقق فائض في الإنتاج.
وبالنسبة إليه، فإن حماية المزارع لا تعني فقط دعمه عند الخسارة، وإنما تبدأ من بناء سياسة زراعية متكاملة تضمن له سوقاً مستقرة، وتفتح أمام محصوله أبواب الأسواق الخارجية، وتربط الزراعة بالتجارة والصناعة ضمن منظومة واحدة قادرة على تحويل فائض الإنتاج من مشكلة تهدد دخل المزارع إلى فرصة اقتصادية حقيقية.