معرض دمشق الدولي.. منصة سوريا الكبرى لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات
رئيس غرفة تجارة ريف دمشق الدكتور عبد الرحيم زيادة "سوريا أمام فرصة استثمارية كبيرة.. ومن يسبق اليوم يكسب أكثر"
لقاء وحيد رقماني
لم يعد معرض دمشق الدولي مجرد مساحة لعرض المنتجات والشركات، بل بات اليوم مؤشراً على حجم التحول الذي تشهده سوريا، وفرصة لقياس مدى عودة البلاد إلى خارطة النشاط الاقتصادي والاستثماري الإقليمي والدولي.
وبين معرض كان خلال سنوات الحرب أقرب إلى ذكرى عابرة بسبب تراجع المشاركة العربية والأجنبية، ومعرض يستعيد اليوم حضوره بمشاركة تقارب أربعين دولة، تتبلور أمام سوريا فرصة جديدة لإعادة وصل ما انقطع من علاقات اقتصادية وتجارية، وفتح الأبواب أمام الاستثمارات والشراكات التي يمكن أن تساهم في إعادة الإنتاج والإعمار.
هذه الرؤية عبّر عنها رئيس غرفة تجارة ريف دمشق الدكتور عبد الرحيم زيادة، الذي يرى في معرض دمشق الدولي مساحة تتجاوز فكرة العرض والترويج، لتصل إلى بناء جسور اقتصادية جديدة بين التاجر والصناعي السوري ونظرائه في مختلف دول العالم.
ويشير زيادة إلى أن مشاركة دول مثل ألمانيا وتركيا والسعودية، إلى جانب دول الجوار، تحمل دلالات مهمة، آملاً أن تتوسع المشاركة خلال الدورات المقبلة، ولا سيما من جانب الدول المتقدمة والشركات العالمية.
فالمعرض، من وجهة نظره، يشكل فرصة حقيقية أمام التاجر والصناعي السوري للتعرف على أحدث التقنيات والآلات وخطوط الإنتاج والمنتجات التي توصلت إليها الأسواق العالمية، ويفتح المجال أمام عقد اتفاقيات مباشرة مع الشركات المنتجة، بما يساعد على تأمين احتياجات السوق السورية بأسعار أكثر تنافسية وجودة أعلى.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاركة على الاطلاع على المنتجات، بل تمنح أصحاب الأعمال فرصة لمقارنة الأسعار والمواصفات والتعرف على أحدث التطورات في قطاعات الإنتاج، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على قراراتهم الاستثمارية وقدرتهم على بناء مشاريع أكثر قدرة على المنافسة.
○ غرف التجارة.. من الحضور إلى صناعة الشراكات
في هذا المشهد، تحاول غرف التجارة أن تؤدي دوراً يتجاوز الحضور البروتوكولي في المعارض، باتجاه تحويل اللقاءات إلى فرص فعلية للتعاون الاقتصادي.
ويؤكد زيادة أن غرفة تجارة ريف دمشق شاركت في المعرض بجناح خاص، وعملت قبل انطلاقه على توجيه التجار للاستفادة من وجود نظراء لهم من الدول العربية والأجنبية، ولا سيما من خلال اللقاءات الثنائية التي أقيمت ضمن قاعة الـB2B.
وقد شملت هذه اللقاءات قطاعات تجارية متعددة، من الخضار والفواكه والمواد الغذائية إلى الآلات والمعدات، بما يعكس تنوع الفرص التي يمكن أن يوفرها المعرض للقطاع الخاص السوري.
ويرى زيادة أن تفعيل هذا الدور يجب أن يكون نهجاً مستمراً لدى غرف التجارة، من خلال التعاون والتنسيق بين اتحاد غرف التجارة السورية والغرف التجارية، بما يفتح قنوات اتصال مباشرة بين رجال الأعمال السوريين ونظرائهم في الخارج.
وفي هذا السياق، برز الحضور العراقي من خلال استقبال وفد برئاسة رئيس اتحاد غرف التجارة العراقي، بالتوازي مع توقيع مذكرات تفاهم بين الجانب العراقي والاتحاد والغرف التجارية السورية، في خطوة يرى فيها زيادة أهمية خاصة لإعادة تنشيط العلاقات التجارية بين سوريا والعراق.
كما شهد المعرض استقبال وفود من الأردن والسعودية، في وقت تواصل فيه غرفة تجارة ريف دمشق نشاطها حتى نهاية المعرض بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة للتجار والصناعيين السوريين.
○ رفع العقوبات.. فرصة تتجاوز حدود المعرض
ويأتي معرض دمشق الدولي هذا العام في توقيت اقتصادي وسياسي بالغ الأهمية، مع التطورات المرتبطة بإزالة العقوبات المفروضة على سوريا.
ويرى زيادة أن تزامن هذه التطورات مع انعقاد المعرض حمل رسالة مهمة للعالم، مفادها أن سوريا بلد يمتلك مقومات اقتصادية وزراعية وسياحية، وقادر على استقطاب الشركات والاستثمارات الراغبة في الدخول إلى السوق السورية.
ويعتقد أن المشاركة الدولية كانت ستكون أكبر لو صدر قرار إزالة العقوبات قبل فترة أطول من موعد المعرض، ولا سيما من جانب الشركات والدول المتقدمة.
أما على المستوى العملي، فإن إزالة العقوبات يمكن أن تساهم في تسهيل التبادل التجاري والتحويلات المصرفية وعمليات الاستيراد والتصدير، سواء بالنسبة للمواد الأولية التي تحتاجها المصانع أو السلع الجاهزة التي يحتاجها السوق.
كما أن عودة حركة السفن إلى الموانئ السورية يمكن أن تساهم في خفض تكاليف الشحن، بعدما كانت العقوبات والعقبات السابقة تؤدي إلى ارتفاع كبير في أجور النقل البحري.
ومن هنا، يرى زيادة أن إزالة هذه العقبات يمكن أن تشكل عاملاً مساعداً في تطوير الصناعة السورية وإعادة الإعمار، وفتح المجال أمام دخول شركات جديدة إلى السوق، سواء في قطاع الصناعة أو التجارة أو التطوير العقاري، وصولاً إلى إعادة بناء التجمعات والمدن السكنية.
○ من الطرق البرية إلى الأسواق الخليجية
وفي موازاة ذلك، يلفت زيادة إلى تطور آخر يتمثل بالسماح للشاحنات السورية بالدخول إلى السعودية ومنح سائقيها تأشيرات الدخول، مع ما يمكن أن يحمله ذلك من أثر مباشر على حركة التجارة والتصدير.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للمنتجات الزراعية السورية، التي يمكن أن تجد طريقها بصورة أسهل إلى الأسواق الخليجية والسعودية، بما يعزز فرص المنتج السوري في المنافسة الخارجية ويفتح أمامه أسواقاً جديدة.
○ الصناعة السورية.. بعد التجميع قيمة مضافة
وفي ملف الصناعة، يبرز برنامج الصناعة السورية الذي أطلقته وزارة الاقتصاد، والذي يهدف، وفق رؤية زيادة، إلى رفع الكفاءة الإنتاجية للمصانع.
الفكرة لا تتوقف عند زيادة حجم الإنتاج، بل تقوم على تحقيق إنتاج أكبر بالإمكانات المتاحة، من خلال تحديث خطوط الإنتاج أو استبدال الخطوط القديمة والمتهالكة بأخرى أكثر تطوراً وكفاءة.
ويضاف إلى ذلك تحسين جودة المواد الأولية، وتطوير وسائل التعبئة والتغليف، وتعزيز الرقابة وضبط الجودة داخل المصانع، بما يضمن وصول منتج قادر على المنافسة في السوقين المحلية والخارجية.
ومن النقاط الأساسية التي يتوقف عندها زيادة مسألة المحتوى الوطني، حيث يشترط البرنامج ألا تقل نسبة المحتوى الوطني في المنتج عن 40%.
وهذا يعني، بحسب رؤيته، أن صفة "صناعة سورية" يجب ألا تطلق على منتج يقوم على استيراد جميع مكوناته وتجميعها محلياً فقط، بل ينبغي أن تكون هناك قيمة مضافة حقيقية ومساهمة فعلية في الإنتاج داخل سوريا.
○ التمويل.. المفتاح لإعادة تشغيل المصانع
ولا يمكن، في المقابل، الحديث عن إعادة تشغيل القطاع الصناعي من دون معالجة مشكلة التمويل.
ويرى زيادة أن أصحاب المنشآت الصناعية يجب أن يحصلوا على إمكانية الوصول إلى مصادر تمويل بشروط ميسرة تساعدهم على تحديث آلاتهم وخطوط إنتاجهم وإعادة تشغيل منشآتهم.
وهناك، بحسبه، معامل توقفت عن العمل ولم يتمكن أصحابها من إعادة تشغيلها بعد سنوات الحرب، الأمر الذي يجعل دعم هذه المنشآت وإعادتها إلى دائرة الإنتاج أولوية اقتصادية، لما يترتب على ذلك من تشغيل للعمالة وتحريك للأسواق وتعزيز للإنتاج المحلي.
ومن شأن البرامج التمويلية الميسرة أن تمنح هذه المنشآت فرصة لاستعادة نشاطها والمساهمة مجدداً في الدورة الاقتصادية.
○ سوريا.. فرصة استثمارية لا ينبغي إضاعتها
وفي ختام رؤيته، يوجه الدكتور عبد الرحيم الزيادة رسالة واضحة إلى المستثمرين والتجار والصناعيين، سواء من السوريين في الداخل أو المغتربين، أو من المستثمرين العرب والأجانب.
فالمشهد الاقتصادي السوري، برأيه، يحمل فرصاً واسعة أمام من يمتلك القدرة على الاستثمار والمبادرة، في ظل الحاجة الكبيرة إلى إعادة بناء قطاعات الإنتاج والتجارة والعقار والبنية الاقتصادية.
والرسالة التي يختصر بها زيادة رؤيته للمرحلة المقبلة تحمل قدراً كبيراً من الوضوح
"سوريا فرصة كبيرة للاستثمار، ويجب ألا نضيّعها.. ومن يسبق اليوم هو من يكسب أكثر غداً."
وبين معرض دمشق الدولي الذي يستعيد حضوره، وصناعة تبحث عن استعادة عافيتها، وأسواق جديدة تفتح أبوابها أمام المنتج السوري، تبدو المعادلة اليوم أكثر وضوحاً: المعرض ليس مجرد واجهة اقتصادية لسوريا، بل يمكن أن يكون إحدى منصات الانطلاق نحو مرحلة جديدة من الإنتاج والاستثمار وإعادة الإعمار