|
يقول التقرير الاقتصادي الذي قدم إلى المؤتمر (25) للاتحاد العام لنقابات العمال والذي أنهى أعماله الأسبوع الماضي:
* لم يتمكن أكثر من مليوني سوري في عامي 2003 و 2004 من الحصول على حاجياتهم الأساسية من المواد الغذائية وغير ذلك (11.4%).
* ارتفع الفقر الإجمالي العام الحالي ليشمل 5.3 ملايين شخص (13%).
* انتشر الفقر بشكل عام في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضرية (62% في المناطق الريفية).
* هناك سوء توزيع بيّن وواضح للثروة والدخل، فالنمو الاقتصادي الذي بلغ في متوسطه 3.6% خلال الأعوام 1996-2004 لم يكن لصالح الفقراء وارتفعت اللا مساواة بين السكان، الأمر الذي يعكس تراجعاً في عدالة توزيع الدخل مما يؤكد بطء النمو. وكمحصلة توسعت قاعدة الفقر وانحسرت الطبقة الوسطى.
ولعل من أهم ما جاء في التقرير الاقتصادي للمؤتمر العام لاتحاد العمال هو حول النظام الضريبي الذي ما يزال يعاني جملة من السلبيات مما جعله بعيداً عن تحقيق العدالة في التكليف والتوزيع وهذه السلبيات:
1- لم تحدّث التشريعات الجديدة وعملية تحديث النظام الضريبي تغييراً هيكلياً في بنية هذا النظام.
2- ما زال النظام الضريبي السوري يعتمد الضريبة النوعية على الإيراد، وحتى الآن لم يتم الانتقال إلى الضريبة العامة على مجمل الدخل، لأن هذا النوع من الضرائب يأخذ وضع المكلف بعين الاعتبار ويحصر جميع مصادر الدخل التي يمكن أن تهرب من الضرائب.
3- لا يوجد أي دراسة لآثار الضرائب بل تجري عملية تعديل القوانين والمراسيم بشكل سريع لتلافي الثغرات الحاصلة في التشريع، دون مراعاة الآثار الناجمة عن هذه الضرائب ودورها في تشجيع الإنتاج الوطني. هذا مع الإشارة إلى أن النظام الضريبي السوري، مقارنة بالدول المجاورة وذات الظروف الاقتصادية المشابهة، يعتبر الأفضل والأنضج.
4- لم يحقق النظام الضريبي الجديد العدالة في التكليف فقد تم تخفيض المعدلات التصاعدية إلى 28% للمنشآت الفردية و14% للشركات المساهمة، في حين بقيت ضرائب الأجور مرتفعة إذ تصل نسب التصاعد في الأجور إلى 20%، مع العلم بأن أكثر من 90% من الدخول تقع في الفئة الثانية (16000 ليرة سورية) من التصاعد (9%). إضافة على ذلك فقد أدت الضرائب غير المباشرة وخاصة الإنفاق الاستهلاكي إلى تخفيض دخول الفقراء. فالعدالة في التكليف تقتضي ربط الضريبة بمستوى الدخل وإعفاء ذوي الدخل المحدود والفقراء من الضرائب.
5- مازالت نتائج إعادة التوزيع لصالح الفقراء، باعتبارها هدفاً من أهداف السياسة المالية في ظل اقتصاد السوق الاجتماعي، غير ملموسة. إن العبء الضريبي الذي يشكل 12% ليس لديه القدرة على إعادة توزيع الدخل لصالح أفراد هذه الطبقة، فالعبء الضريبي يصل في الدول المتقدمة إلى 35% حيث يستطيع عندها أن يلعب الدور المتميز في إعادة توزيع الدخل وتمكين الدولة من لعب الدور الاجتماعي المناط بها في الخطة الخمسية العاشرة ومقررات المؤتمر القطري العاشر.
6- لم تساهم الإصلاحات الجديدة في تحفيز النمو الاقتصادي: لأن تخفيض الشرائح الضريبية التصاعدية من 35% إلى 28% وتخفيض ضريبة التركات قد أدت إلى زيادة الدخول لدى الأغنياء، وفي الوقت الذي يفترض أن تتوجه هذه الزيادة لتمويل الاستثمار، فإن الذي حصل زيادة في حجوم ثروة الأغنياء ومدخراتهم فقط. وبالتالي، مازال معدل النمو الاقتصادي في أدنى الحدود مقارنة مع الإصلاحات المالية التي كان من بين أهدافها حفز النمو وزيادة معدلات الاستثمار.
7- رغم توسيع قاعدة التكليف مازال القسم الأكبر من الدخل القومي يحصل على إعفاءات ضريبية، مثل قطاع الزراعة والإنتاج الزراعي وقطاع السياحة ومشاريع قانون الاستثمار والجامعات والمشافي الخاصة والمدارس الخاصة رغم أنها تتقاضى رسوماً مرتفعة جداً لا تتناسب مع الخدمات المقدمة.
8- عدم فرض ضريبة على المضاربات العقارية، لأن التشريع الضريبي الحالي قد أعفى المتاجرة بالعقارات من أية ضريبة، مما أفسح المجال أمام اشتداد حركة المضاربة في هذه السوق وخسران الدولة لمبالغ طائلة نتيجة الإعفاء إضافة إلى الخسائر الاجتماعية المتمثلة بالارتفاع المستمر لأسعار العقارات.
9- التهرب الضريبي: تعتبر سورية من الدول ذات التحصيل الضريبي المنخفض. وبالعودة إلى الإيرادات العامة، يتبين الاعتماد الكبير على إيرادات الملكية العامة والقطاع العام، وتوضح نتائج قطع حسابات الموازنة العامة خلال الفترة 2000-2005 ضآلة التحصيل الضريبي بالنسبة للموازنة العامة للدولة، مما يعني ضعف تأثير الضريبة بالنسبة لقطاعات الإنتاج المادية والخدمية، ويتبين ضعف هذا التأثير أكثر عندما تكون الضريبة على القطاع العام هي المصدر الرئيسي، فقد تراوحت حصة القطاع العام بين 68% ومايزيد عن 80% من الحصيلة الضريبية، أي أن القطاع الخاص الذي تزيد مساهمته في الناتج المحلي عن 60% يساهم بما يتراوح بين 32و أقل من 20% من الحصيلة الضريبية، والتي شكلت مابين 24 و30% من إجمالي إيرادات الموازنة للسنوات المدروسة، أي أن العبء الضريبي رغم محدوديته فهو يقع على عاتق القطاع العام، وبالتالي فإن استخدام الأداة الضريبية، للتأثير في آليات عمل السوق، تبدو محدودة وضعيفة, ولايمكن التعويل عليها للتأثير في آليات السوق. وتأتي ضآلة مساهمة القطاع الخاص في الضريبة لتعكس حجم التهرب الضريبي الذي تعاني منه الموازنة العامة للدولة في سورية والذي يقدر بنصف حجم الموازنة (بحدود 200 مليار ليرة سورية).
ومما لاشك فيه أن استمرار ظاهرة التهرب الضريبي بجميع أشكاله (الضريبة على الأرباح والضريبة الجمركية) سوف ينعكس سلباً على مجمل الاقتصاد القومي. فسوف يقلص من إمكانية الدولة من الحصول على الموارد الكافية واللازمة لتمويل إنفاقها الاجتماعي بشكل خاص، ولاسيما في قطاعات الصحة والتعليم والأمن. وسوف يعيق ويعطل إمكانية تطبيق نهج اقتصاد السوق الاجتماعي، في شقه الاجتماعي في حين يتعمق باستمرار الشق (السوقي) من هذا النهج.
بقلم :
|