|
يبدو والله أعلم، أن حكومتنا العتيدة الرشيدة تعمل بأسلوب من يمسك العصا من منتصفها، فهي تريد أن لا يموت الذئب ولكنها تريد في الوقت نفسه أن لا يفنى الغنم، وحكومتنا أطال الله في عمرها تسلك مع الآخرين سلوك السيد المتغافل، أو الأب المتغافل الذي يغض بصره عن أخطاء أولاده متظاهراً بأنه لا يراها ولا يعرفها ولا ولم يسمع بها، بل إن سلوك حكومتنا هو سلوك الأم الرؤوم الرحوم مع أطفالها، ودودة ومتسامحة حتى حين يرتكبون الكبائر والصغائر.
مضمون سلوك حكومتنا قائم على أن الزمن كفيل بتصحيح الأخطاء مهما بلغت ومهما عظمت ومهما اشتد شأوها، فحكومتنا لا تحب المواجهة ولا المجابهة ولا التعدي رغم أنها صامدة، ومقيمة ما أقامت ميسلون.
سلوك حكومتنا قائم على أن القناعة كنز لا يفنى، وأنها إذا حازت من الغنيمة على سلامتها فهي منتصرة وناجحة وإيجابية وعلى الطريق والصراط المستقيم.
حكومتنا مسالمة مهادنة تدعو للسلم وتجنح له ولا تقصد بالسلم هنا نقيض الحرب بل نقصد بالسلم الابتعاد عن المواجهة مع الآخرين، فهي قانعة وقنوعة وتسأل الله سبحانه أن يكفيها شر القتال.
حكومتنا تبعد عن الشر، حتى إنها لا تغني له، وتؤمن بمنطق: يا جامع أنت مغلق أبوابك وأنا مستريحة من الصلاة.
حكومتنا تدعو في سرها أن يضرب الله الظالمين بالظالمين ويخرجها من بينهم سالمة حتى وإن لم تكن غانمة.
لذا لا تغضب حكومتنا أحداً، وإن طالت عقوباتها فإنما تطال الصغير والمقمط بالسرير ولا تحتك بالكبار، وتبتعد عن اللعب مع الهوامير ولا تقول لا إلا في تشهدها، لذا فهي حبابة ومحبوبة وعلى مسافة واحدة من الجميع.
حكومتنا محايدة، لا لون لها ولا طعم ولا تحترق ولا تساعد على الاحتراق، لذا فهي مقبولة من الجميع هانئة راضية مرضية.
وبذلك فإن عمر حكومتنا قد يمتد إلى ما شاء الله، أما مصائبنا وبلاوينا والغلاء الذي يذبحنا والأسعار التي تنهش لحمنا فهذا قدرنا وهذه مصيبتنا، والله سبحانه يختبر بها صدق وعمق إيماننا.
أما حكومتنا فهي تسهر الليالي وهي تدعو لنا أن يصلح حالنا وأحوالنا، وأن يرفع عنا شبح الغلاء والبلاء وارتفاع أسعار العقارات والإيجارات والأراضي وأن يحسّن صمتنا ويرفع مستوى تعليمنا، وأن ينظف بيئتنا ويجعل أسناننا نظيفة ومشعة وبيضاء خالية من أي سوء.
وللإنصاف والحق فإن حكومتنا ليست سلبية بالمطلق، فهي تعمل وتكد وتجتهد ليل نهار ولكن بمقدار ودون أن تمضي إلى النهاية، فمحاربة الفساد والفاسدين قائمة على قدم وساق ولكن ليس إلى درجة المواجهة الشاملة، ومكافحة الغلاء قائمة ولكن ليس إلى درجة قطع الرؤوس وجعلها عبرة لمن يعتبر، وكذلك الحال مع الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات والأراضي، فالمليارات التي حققها بعضهم من المضاربات في العقارات والأراضي هي بمنطق الدولة (صحتين وعافية) على قلوبهم، وهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً حيال ذلك لكنها تسعى لأن تعود أسعار العقارات والأراضي إلى سابق عهدها، لكنها مؤمنة بأن هذا حال الدنيا والدنيا كلها عرض وطلب فحين يخف الطلب، ستعود الأمور رويداً رويداً إلى طبيعتها أما متى يأتي ذلك فعلمه عند ربي.
حكومتنا تفعل كل هذا ليس لأنها لا تدري بل هي تدري وتدري وتدري، وليس لأنها لا تملك القدرة على فعل ما تريد بل هي تملك كل الوسائل للإمساك بزمام الأمور وإعادتها إلى نصابها، لكنها تؤمن بأن خير الأمور الوسط، لذا تحب بقدر وتكره بقدر وتكافئ بقدر وتعاقب بقدر.
لكن هذا يا حكومتنا الرشيدة لن يجدي نفعاً ولن ينصر مظلوماً ولن يطعم محروماً ولن تسكن مشرداً ولن يردع غاصباً ومحتكراً وغشاشاً وفاسداً ومتهرباً من الضرائب، وهذا لن يحمي شريفاً ولن يصون مخلصاً، فالحلال بيّن والحرام بيّن وإذا لم تخرجي من منطقة الأمور المشتبهات فلن يتغير حالنا وتتحسن أحوالنا، وربما ستزداد سوءاً!
بقلم : بسام طالب
|