|
خيط رفيع جداً ربما يفصل بين الإعلامي المحقق البوليسي أو المدرس أو حتى الببغاء، في وقت لم يفلح القائمون على الإعلام التلفزي التخلص من عباءة الأستذة والأبوية اللتين تمارسانهما على ما بقي من جمهوره المحلي الذي يتقلص ويضمحل، في ظل منافسة فضائية لا ترحم وفي زمن لا يعرف الحدود.
والمقلق في الأمر، هو تلك المواكبة (العرجاء) للمتغيرات السياسية والاجتماعية وكل ما طرأ من جديد في المجتمع السوري.
فبدلاً من مواكبة إعلامية تؤمن بالتغيرات الحاصلة في جوهر الخطاب السياسي والإعلامي وتتوجه نحو المواطن بلغة أكثر علمية وعقلنة وانفتاح، بدلاً من ذلك تحول التلفزيون إلى كليشيهات خشبية مسجعة تعزفها البرامج التلفزية بالطبلة والمزمار، تحاكي فيها قص شرائط التدشينات الحكومية وتلميع الواقع بدلاً من تصويره بالنقد والتحليل.
الجمهور المحلي أو ما بقي منه سئم الرتابة والصدأ الذي نال من الأداء الإعلامي الذي يبدو أنه لا يريد الخروج عن أجندة التلقين، وسئم أيضاً تجاهل المؤسسة التلفزية ما حصل من اتساع دوائر الأمان وإمكانية تخطي وكسر (المحظور) الذي أتاحته الدولة من أعلى المستويات، وكأنها لا تريد تصديق الانطلاقة الإصلاحية في هذا البلد، لتبقى متقوقعة داخل شرانق الخطوط الحمراء التي نسجها الرقيب الذاتي.
لا يوجد رقم يحدد حجم المتابعة للقنوات المحلية، كما أنه لا يوجد رقم يحدد مدى التململ الذي أصاب المشاهد تحت وطأة برامج (ثقيلة الظل) في شكلها وفي خطابها المقولب العتيق، كبرامج النقابات والمنظمات الشعبية مثل (مع العمال) وأخواته، التي تحولت بفعل التكلس الذي أصابها إلى (كوافير) يزوّق نشاطها المناط بها أساساً وتصويرها كإنجازات تاريخية توازي بعظمتها فتوحات بلاد السند..!! في حين يثبت معدّو ومخرجو تلك البرامج افتقارهم إلى المعايير المهنية في حدودها الدنيا، وما يرافق ذلك الافتقار من تلكؤ وتلعثم ووهن لغوي مع انعدام براعة الظهور والإقناع، ولا يبدو أنه سيثبت العكس في الأفق المنظور مادامت الأخطاء الفنية نهجاً قائماً يطول أكثر البرامج كالبرامج، الإخبارية التي تعاني اختلالات وظيفية واضحة ابتداءً بالتقصي والتحري في الوسط، مروراً بالتقارير الإخبارية منقوصة الصور المطلوبة والاكتفاء بترقيعات تتعلق بتكرار المشهد أكثر من مرة أثناء قراءة المذيع للتقرير، أو الاكتفاء بصور أرشيفية، وانتهاء بتنصيب المذيع نفسه محللاً سياسياً يطرح أسئلة طويلة تتضمن الإجابة في ذاتها تاركاً ضيف البرنامج يستمع أكثر مما يتحدث، ومكتفياً بالإجابة عن أسئلة مغلقة بنعم أو لا، فأن يسأل أحد المذيعين (ذوي الخبرة) محللاً سياسياً (ألا تعتقد أن الحملة العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة تعدّ استمراراً للاعتداءات السافرة على الشعب الفلسطيني وتعدّ تقويضاً لعملية السلام؟)، ألم يكن من الأجدر صياغة السؤال بشكل أكثر اختصاراً وبعيداً عن الاحتمالات المغلقة للإجابة؟.
ومما يثير الدهشة تلك الجرأة على اغتيال ذاكرة المتلقي، فقد عرضت نشرة الأخبار الرياضية للقناة الأولى بتاريخ (7/11/2006) النشرة ذاتها التي عرضت في اليوم السابق!!
في حين يبقى التطاول على البديهيات العقلية متجلياً بأرقى صوره في المسابقات (الربحية) وأسئلتها المقيتة، لتعزز فكرة استغباء المشاهد وتدعم نظرية استحالة الحصول على تلك المستحيلة المجمركة (السيارة) إلا عن طريق هذه المسابقة.
ولم يعد غريباً إطلالة البرامج الطقسية (المناسباتية) لتسلط سياطها على رقاب المشاهدين من خلال الحوارات الجليدية مع الناس، كأن يسأل أحد الجالسين بأمان الله عن رأيه بالعيد! ومتى؟ أثناء العيد! فتلك نصف مصيبة، لكن المصيبة هي حين تتشاطر المذيعة قليلاً وتسأله عن إمكانية تصالحه مع من يختلف معهم في فترة العيد!! فلنتصور ما سيحدث إن صارحها أحدهم مجيباً بالنفي، ما موقف الكاميرا عندئذ؟ وما ذنب المشاهد!!؟
أما أن يطل علينا برنامج حواري، ثقافي اجتماعي، يدعي أنه (مكاشفات)، فإنه من المحزن أن نجد طريقة العرض والطرح الواحد قد أفرغتاه من جوهر اسمه، مع غياب عناصر الصراع والإفشاء والتعرية التي تتطلبها برامج كهذا كما اضعف عرض البرنامج تسجيلياً من روحه لكنه منحه قدرة فائقة على (لفلفة) المواضيع المريبة للمشاهدين والتي قد تثير (بلبلة) ببعدها الرهابي المرضي من فزاعة الخط الأحمر، حدث ذلك فعلاً في إحدى حلقاته التي أفشى فيها أحد المشاركين باسم مدرس جامعي تقاضى منه رشوة، وبعون الله والتقنيات تمكن معدّ البرنامج من حذف هذا الإدلاء (الصارخ).
الومضات المضيئة في التلفزة المحلية موجودة، وإن كان بعضها قد خبا أو اختفى وسط حسرة المشاهدين عليها كبرنامج (إذا غنى القمر) أو (زوايا وأعمدة) اللذين حظيا بجماهيرية عريضة في الفضائية السورية بشّرت بأفق إعلامي ناجح.
ويبقى الانحسار في المتابعة هو السائد مادامت الموازين المهنية مختلّة، وستبقى التساؤلات مطروحة على الساحة الإعلامية وفي الوسط الاجتماعي حول إمكانية خلق منتج إعلامي يحترم العقل ويتمتع بالجودة التي نراها في تلفزات أخرى نالت نصيبها من القبول والنجاح.
بقلم : عبد الحسيب زيني
|